غاب النوم عنهما، هو وماريا، فلا يكاد نعاس يقترب من جفنيهما..
ربما في هذه اللحظات، ثمة فكرة واحدة تربط بينهما: انها هي..
فتح باب غرفته، ابتسمت ماريا، الواقفة على الباب، سألته: أنشرب كأس قهوة ثان؟
كان في حاجة الى ان يتحدث، الى أي أحد، ولعل ماريا هي الخيار الوحيد والأفضل، في لحظات لا يوجد غيرها.. وليس بإمكان أحد أن يجيب على اسئلته..
في نفس الصالون جلسا.. ونفس الفناجين وضعت امامهما..
سألته ماريا: ألم نكن، انا وانت، متفقان على ان الدين، كان حاجزا بينكما. وجدار لا يجب ان يسقط، بسقوطه، تسقط الاخلاق، ويتأذي المجتمع..
أجاب: نعم، كنا متفقين، ولكن ليس على نفس المعنى.
انا لم أكن أخشى الدين في حد ذاته، كنت أخشى التشتت ما بعد الزواج، حينما يقف دينان في بيت واحد! سيضيع الأبناء ما بين تناقض الرؤى. رؤية الله الواحد، والله الثالوث المقدس. رؤية الذهاب للمسجد خمس مرات يوميا، والذهاب الى الكنيسة يوم في الأسبوع..
وانتِ، كان لك رأي مخالف، ومتأصل.
قالت: أيزعجك أن أكون وفية لديني؟
قال: كلا، ابدا..
قالت: نحن الكاثوليك نعتبر الزواج أحد الاسرار السبعة المقدسة، حيث، فيه، يكون الزوجان جسدا واحدا وروحا واحدة. وهذا الانصهار لا يمكن ان يحدث الا إذا كان الزوجان مسيحيان. ولذلك حرم ديننا الزواج بين المسيحيين وغير المسيحيين.
قال: الم يتزوج المسيحيون من غير دينهم؟
قالت: بلى، يفعل ذلك الكثيرون، وهم بكل بساطة، يخالفون دينهم، ولا يعيشون سعداء ابدا.
وبذلك يبطل زواجهم سريعا، او كما تقولون أنتم، ينتهون بالطلاق. كل الاحصائيات لدي تثبت بان المتدينون المسيحيون، نادر ما يبطل زواجهم، والاختلاط غالبا ما يبطله. ان ديننا حكيم، يصنع السعادة تلقائيا، بتوفر شروطها، النفسية والادراكية والأخلاقية.
وهو عكس ما لديكم. أليس كذلك؟
قال: ديننا لا يحرم الزواج من كتابية. ولا يشرع الزواج من كتابي.
بإمكان أي رجل ان يتزوج من كتابية، ولا مانع في ذلك. الا ان هناك آثار عظيمة ستضع وزرها على العائلة لاحقا. وخاصة على المستوى النفسي على الأبناء ورؤيتهم للحياة. ولذات الاعتبار، يفضل الزواج بامرأة مسلمة لضمان شروط نجاح الزواج.
في الدين عقائد كثيرة. والعقيدة قوالب جاهزة، اما ان نؤمن بها او لا نؤمن. مناقشتها خروج عن معنى الدين، ومحاولة أنسنته، وهو ما لا يستقيم مع جوهره في مسألة العقائد. وتخيلي ما يحدث على التقت عقيدتان مختلفتان، في نفس البيت. سيكون هناك اشكالا حارقا.
قالت: فهل نحن متفقين إذا؟
قال: لا. أنتم تحرمونه تحريما واضحا، وان حصل فهو خروج على الدين. ونحن لا نحرمه، ولا نعتبره خروجا على الدين ولكن نخشى آثاره، وننبه اليها منذ البداية.
قالت: قد يكون المعنى نفسه. الا اننا أكثر وضوحا منك.
قال: أبدا، نحن فتحنا الباب، لمثل ما يحدث الآن، من هذا الكم الهائل من زواج المسلمين من غير المسلمين. لعل تسويات واقعية تحدث، ما بين قلبين قد تحابا ورغبا في الزواج. ونكون بذلك قد بقينا في جوهر ديننا، وأنتم تكونون، حينما تفعلون ذلك، قد خرجتم عن دينكم!
قالت: نحن نريد ضمان الاستقرار العائلي حتى من قبل عقد القران. ولذلك نشترط بان يتحول الطرف الآخر الى ديننا، ويتم بذلك الزواج بطريقة شرعية. فلماذا لا تتحولون أنتم المسلمون الى ديننا ما دمتم ترغبون في الزواج من نساءنا؟
قال: لماذا نتحول عن ديننا، في مثل هكذا مسألة، ونحن نعتبر أنفسنا متقدمون عنكم خطوة في سبيل الانسان. نحن لا نقف أمام الحب الذي يرغب في الانتهاء بالزواج. نحن فتحنا بابا للذين يرومون البقاء معا كامل العمر. ولم يفرض ديننا على المرأة المسيحية بان تتحول الى الإسلام. بإمكانها أن تعيش مع زوجها المسلم، وهي محافظة على دينها.
قالت: ولكنكم تمنعون المرأة المسلمة من الزواج من كتابي؟ اليس كذلك؟
قال: بلى.
قالت إذا، لماذا تفكرون بأن نزوجكم نسائنا، وتفعلون العكس؟ أليس الامر سواء؟
قال: إذا، هذا كان سبب رفضك لعلاقتي بها؟
قالت: انا وفية لديني.. ولم ارغب لأبنتي الضياع..
قال: وأنا خفت على ابنتك من الضياع بيني وبينك..
قالت: لقد وضعت ابنتي خطوتها الأولى في دينكم، لقد لاحظت عليها علامات التحول، لقد عادت الي ذاك اليوم وهي ترتدي "الشال الأحمر".. ألم يكن هذا تحولا؟
أني أحسست بألم شديد ذاك اليوم.. لم استقبلها كعادتي.. لم أحدثها، برغم الحاحها..
فجأة، امتلأت عينيها دموعا...
وقفت، ودخلت غرفتها..
وبقى هو.. ينظر الى الفنجان.. تائها شريدا.. أحقا يقف الدين عائقا امام الحب؟ ام البشر هم الذين يجعلونه كذلك؟...
نظر في ساعته، فاذا بها الساعة الثالثة صباحا.. ولعله كان في انتظار ماريا، ليكمل جدالهما.. وليعرف ما كان يؤلم تلك التي لبست الشال.. ثم مضت...
د. محجوب احمد قاهري
طبيب وكاتب تونسي
