-->
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

يغار عليها..


قضى ما يقرب النصف الساعة وحيدا، بالصالون، على توقع أن تخرج ماريا من غرفتها.. ويبدو بانها لن تخرج بعد ان أطفأت ضوء غرفتها.. 
ماريا بدت مذعورة جدا وهي تتحدث على فلورانس.. يبدو بانها قست عليها جدا.. وأنها آلمتها جدا.. 
حاول أن يتخيل ما حدث لفلورانس؟ أيعقل بان تكون ماريا سببا من اسباب ضياع فلورانس؟ سيسألها سؤالا مباشرا حينما تخرج من غرفتها.. ولن يؤجل السؤال مهما حدث..
منذ تعرف على فلورانس التقى بماريا ثلاث مرات، مرة في بلده ومرتان هنا. ماريا مثقفة متعلمة، كبيرة العقل والمنطق، يطغى على حضورها الهدوء، وخاصة حينما تتحدث وتناقش، لا تغضب مطلقا.. وفي هذا اللقاء الرابع، كانت ماريا بائسة جدا، ومذعورة جدا...
فلورانس كانت تشبه والدتها كثيرا.. الا ان لها ميزة لا تملكها كل نساء الدنيا، فكلما ابتسمت تحيا الدنيا من جديد على وقع ابتسامتها.. يطل الربيع من كل صوب، ويخفق القلب نشوانا ..
فلورانس، لم ترى يوما بان علاقة المرأة والرجل، هي علاقة تحد، وحرب، وانتصار.. كانت ترى بان عمق العلاقة هو الاحتواء.. كانت تقول دوما، على أحد القلبين ان يحتوي الآخر.. كأنه منه.. ولذلك كانت هداه، ضوئه، وسبيله.. فلورانس كانت عقله وفكره واحلامه...
كان لا يحتاج الى الافصاح لكي تفهم ما يريد... 
تذكر ذاك اليوم، في آخر المساء، كانا يمشيان تحت سور مستشفى فرحات حشاد.. يتحدثان بهدوء طالبين، عاشقين.. وإذا تحدث أحدهما أنصت الاخر بكل اهتمام.. كأنهما مدرس وتلميذ يتبادلان الادوار..
ومرورا بمحطة الاقواس، و"التروكاديرو" ثم وسط حضر موت، عبر المعهد الاقدم في المدينة، وصولا الى الكورنيش، الذين تزين لاستقبال القادمين من كل صوب.. تحرك العاشقان ببطء شديد.. كأنهما يستبطئان الزمن الذي أطلق ساقيه للريح.. ويبحثان عن إضافة بعض الدقائق للقائهما..
كان حديثهما مبعثرا..  
تحدثا في الكثير من الأشياء.. قد لا يبدو بان هناك رابط بينها.. 
وكان كلما مر أحد من الأصدقاء، سلم، وأصر على السلام، وكانت ترد هي بابتسامتها المعهودة.. ولا تمد يدها... 
وكلما ابتسمت، بدى له وكأن أحد ما حاول ان يسرقها منه.. 
ودون مقدمات صاح في وجهها، أهكذا توزعين الابتسامات... 
امتلأت عينيها الخضراوين بالدمع.. وقالت: معذرة، ما كنت اعتقد بان هذا يؤلمك.. واني لا احتمل ألمك.. 
وكم سعدت بقية المساء حينما قال لها إني اغار عليك... فكأن ذلك المطر الذي نزل في عينيها قد احيا حدائقها.. وأحياه..
مضى المشهد بسرعة وكأنه يحدث للتو، وكأن فلورانس لم تتخطى خارج مسامات جلده قيد أنملة..
دخل غرفته.. الا ان ذعر ماريا قد أزعجه..
أيحدث ان يقتل الانسان الحب؟.. وان يقتل الحب الحب؟ 
ارتمى فوق السرير وكأنه مثقل بعبء السؤال.. وهو ينتظر ماريا بان تناديه!
ويبدو بان النعاس قد جثم عليه...





د. محجوب احمد قاهري
طبيب وكاتب تونسي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

بكل حب

2016