-->
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الفــــراق!






استفاق الساعة الخامسة والنصف صباح.. بعد ألم ألمّ بيده اليمنى، وقد كانت طول ساعة ونصف ملقية تحت جسده... 
أطل من نافذة غرفته، لا تزال مرسيليا غارقة في اضوائها الجميلة.. وكنيسة "نوتردام" بدت، في علوها، كلوحة فنية، مصنوعة من أنوار.. كأنها قطعة من مملكة الخيال.. 
لا ضوء في غرفة ماريا.. يبدو بانها استسلمت لنوم عميق.. 
ماريا بسيطة جدا، وعظيمة جدا.. فهي ممتلئة بالعلم والثقافة، تلقي المحاضرات في كثير من الأماكن، جامعات، وجمعيات، ومراكز دراسات، وتكتب مقالات، جلها حول الانسان.. وأكثرها ذاك الانسان الشرقي الذي دوخ العالم!  مثلما كانت تقول.
تخالها خيمة في صحراء.. وحينما تدخل مملكتها يسحرك حضورها، وقدرتها، وأناقة لسانها.. واتساع معرفتها.. وكانت فلورانس قطعة منها...
جلس وراء مكتب صغير، ساورته خواطره بان يكتب شيئا ما، فهو نادر ما يُخلف فرصة للذكرى فيكتبها.. بخل، فهو لم يفتح بعد حقيبة متاعه.. سيكلفه ذلك جهدا ليصل الى دفتره الذي لا يفارقه أبدا..
ومالفراق؟ 
الفراق، ان يكون معك "توأم الروح"، وكلاكما هائم في مداره، ولا تلتقيان أبدا، ولو وصل حد المسافة بينكما الى الصفر.
الفراق، أن يكون الغياب ورقة عبور الى وطن النسيان دون عناء.. وأن تحرق مراكب التذكر على مرافئ العودة..
الفراق، أن يتساوى الحضور والغياب، كما تتساوى الحياة بالموت.
انتشى داخله، كأن نورا ملائكيا طلع من بين جوانبه، فهو لم يعش الفراق مطلقا.. فلورانس لم تغادره ولو للحظة منذ رحيلها.. كانت تمشي في شرايينه كالكريات الحمراء، فتملؤها اوكسيجينا وحياة.. فهي حاضرة في عينيه، وفي سمعه، وفي لسانه، وفي أنامله... وحاضرة في كل ورشات أفكاره، تناقشه حتى في ساعات النوم..
حتى دفتره لا يفارقه ابدا.. وكم كانت فلورانس تحب دفاتره...
سمع صرير باب غرفة ماريا وهو يفتح، فتهيأ للخروج اليها.. 
الا انها سبقته، وطرقت بابه...

د. محجوب احمد قاهري
طبيب وكاتب تونسي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

بكل حب

2016