كان المساء باهتا، واللقاء اكثر حزنا مما كان متوقعا،
فبعد سنوات من الحنين كان الأجدر بهما إعطاء الفرح أولوية قصوى.. ولو ان الحزن
والفرح مناسبات تلقائية لا تحتاج إلى تدبير..
اتجهت بطرفها الجميل إلى مكتبته المملوءة كتبا، وسألته،
مستنكرة، هل قرأتها كلّها؟ أومأ برأسه موافقا، كأن العبارات أثقلت لسانه..
وهل مازلت تكتب الشعر؟ وهل أصدرت ديوانا؟... أجاب، هامسا،
انّي أحاول...
بدت كأنها تبحث عن خيط تمسك به لتبدأ بالحديث عن عجزها
الذي طالما رافقها.. قطع حيرتها برفق وقال: هل تحدّثينني؟
اتجهت صوب النافذة المفتوحة جزئيا، وألقت بنظرها إلى حديقة
خلفيّة، تكاد تكون منسيّة، وقالت، كيف لك أن تسأل عن عجز امرأة في البوح عن حبّها،
لرجل اعتبرته، ما عاشت، سيّد قلبها، وعقلها، وروحها !.
مسكينة هذه المرأة كأنها كائن خارق، فهي التي تحب، وهي
التي تصنع الحياة، وهي التي تلد، وتنشأ الأبناء، وهي التي تسهر من أجل الجميع.. ثمّ
تطالبونها بأن تعترف هي اوّلا بحبها.. ألم يكن الأجدر بك ايّها الرجل أن تنحني
احتراما لهذا الكائن الخارق، وتعطيه ما يستحق من اعترافات واهتمام...
فكم قتل العجز من امرأة، وضيّع عمر أخرى.. كم دمّر
العجز من أرواح كانت حالمة جميلة.. دُمّرت من أجل رجل لم يهتم، أولم يكن يعلم
بدقات قلب برئ يحلم بمجرد كلمات..
(م) تلك الفتاة الجميلة الرائعة، أوقدت جسدها الطاهر
ليلة زواج حبيبها، هي لم تُعلمه بعشقها، ولم يكن على علم، عجزت على اعتراف
كان يمكن أن يجنبها الموت الفظيع.. ليلتها بكى حبيبها بكاء مرّا بعد أن اسرع
لنجدتها.. هو لا يعلم بحبها.. ولا احد يعلم لما كلّ ذلك البكاء، قد يكون حبّا
عاجزا يتألم في احشاءه..
(ع) صاحبة العيون الجميلة، والروح الخلابة الجذابة
المرحة، هاهي كل رأس شهر، تقف في طابور مستوصف الحي، لتعود بأدوية الأعصاب.. أكلها
الألم أكلا، لم يبقي منها شيئا، سوى الوجع وحكايتها، فقد كانت تحبّ فلان، وقد رحل
عن البلاد دون ان يعلم بانها تعشقه... عاشت سنتين من البكاء، ثمّ أكملت حياتها
بأدوية الأعصاب والمهدئات..
(ح) قد جرى بها العمر، وهي على أمل اعتراف لن يجئ أبدا..
تقدّم بها العمر، مات الأهل، وبقت وحيدة، تعيش على وقع الألم والذكريات...
و (ز)، مع انها تزوجت مرتين، الا إن قلبها لم يكن لا بيد
الزوج الأول ولا الثاني، فقد كان ملكا لرجل آخر، رجل لا يعرف بأن هذا القلب لا
ينبض الا له.. لم يكن الطلاق لديها حدثا مهما، فكل ما تعيش لأجله هو حلم ولقاء مع
من تحب... ربما لتعترف له فقط..
لكل امرأة أسباب عجزها، عجزها الذي ينتصر عليها دائما
فيحيلها إلى حطام، اما في وحدتها، أو في مرضها وشقاءها، أو حتى مع رجل آخر ترافقه
مرغمة أو مسايرة لنمط المجتمع..
ولأنّي سأحدّثك عن عجزي، سأروي لك عن حوادث مرّت بي..
-
فهل انت مستعد لأن تسمعني؟
-
أريد فنجان قهوة آخر.. وانّي على أتم الاستعداد...
(يتبع)
د. محجوب احمد قاهري
