(1)
أدارت رأسها، كقمر يطلع في ليلة حالمة، كأنّها
تتهيأ لإحضار قهوة... أو كأنّها ترسل عتابا..
وقف الكلام على شفاهها كزائر غريب.. كان لا يدرك ما
عساها تكاد تقول.. قد تكون نسيت ما ستقوله.. او انها خائفة ومبعثرة.. بعد عمر من
الفراق، لا بدّ وانّ الكلام اختلف.. والأحاسيس لم تعد هي..
طأطأت رأسها مرّتين، ثمّ نظرت في اتجاهه دون ان تحدّق
فيه.. وانساقت بصوت ملائكي كهمس قيثار تقول، هل كنت تعلم بانني أحبّك؟
اعتراف كقنبلة انفجرت في قلب رجل اعتراه الشيب، رجل حمل
معه ضياع السنين.. اعتراف بعد سنوات من العناء.. وسنوات من النسيان...
وما قيمة اعتراف يجئ في الوقت الضائع؟ ليس سوى تأجيج لنيران كادت
تنطفئ أو انطفأت.. ومدّ الروح في احتضار طويل طويل.. وهل يحتمل رجل تقدّم في الزمن
أن يعود خطوات الى الوراء؟.. هي استحالة أو استحالات..
لم ينفعه لسانه، ولا قدرته على الكلام، ولا عفويته في
ابداء احاسيسه.. كأنه ألقي به في واد سحيق..
أعادت بصوت أكثر ارتفاعا، انا لا أسال هل أحببتني يوما؟
ولكني أسال هل كنت تعلم بأنني أحبّك؟...
ليس في قواميس "كويلو" او
"ماركيز" مثل هذا الأسئلة وأجوبتها المظفرة.. وليس في دواوين "نزار"
ما يسعف.. ولا حتى في تراتيل "درويش" ما ينفع... أطبق الكلام، وتوقف
الزمن.. وطال صمت الشفاه.. والشرايين مكتظة بالضجيج.
هي الأسئلة الحائرة التي تأتي اجوبتها متأخّرة كثيرا..
كثيرا..
نحيا ونعيش فقط للأسئلة المبهمة، التي تبقى رهنا للحيرة
والغموض.. وهل تشفي الأجوبة غليلنا بعد فوات الأوان؟.
كثير ما يقفز الماضي على حاضرنا، وتلك قفزات مهمّة،
لتجيب عن سؤال أو تزيده غموضا...
اضافت، هل يمكن أن تجيبني؟
مدّ يده الى فنجان القهوة التي بردت، مثل البرود الذي
جرى في مفاصله، نظر الى وجهها القمري الساطع تحت عباءتها السوداء.. وهمّ
بالكلام...
(يتبع)
د. محجوب احمد قاهري
