-->
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

لقاء حزين في الجزائر...





بعد جولة مثيرة في حي القصبة بمدينة الجزائر، كنا قد دخلنا المسجد الكبير الذي يعود بناؤه إلى عهد المرابطين وقد أمر ببنائه يوسف بن تاشفين.. حملتني الخطى، بعيدا، إلى مقام الشهيد، ذلك المعلم الذي لا يمكن للجزائريين نسيانه، ولا يمكن لزائر مثلي أن يمرّ دون أن يراه...
وفي خلال انبهاري بنصب الشهيد، سمعت بالخبر، قابرييال قارسيا في ذمّة الله، انتابني حزن شديد، كأنّه عزيز رحل، لم أكن اعرف الرجل عن قرب، فقط قرأت النزر القليل ممّا كتب، إنه الذي نال شرف تمثيل الإنسانية بقلمه وفكره حينما نال جائزة نوبل للآداب في سنة سبع وستين...  وبحكم مهنتي كطبيب، فقد عرفت ودرست الكوليرا، ولكنني لم أعرف رائعة "الحبّ زمن الكوليرا" التي تميّز بها قابرييال.. كما أنني جربّت العزلة، ولكن ليس كما يريد الرجل لمائة عام... فقط كنت أجد بعضا من ضبابية أفكاري في ما كتب الرجل...
وانطلقت للبحث عن مكتبة لأشتري الرواية المميزة، للراحل قابرييال، "مائة عام من العزلة"... بعد ثلاث مكتبات لم أجد أثرا للرجل.. ووجدته في عزلة حقيقيّة عن عالمنا العربي...
عند المكتبة الرابعة، وأنا أنظر بين العناوين المعروضة ودون أن أسأل عن غايتي، تقدمت منّي سيدة في العقد الخامس.. وتكلّمت بلكنة تونسية، أفقهها جيّدا...
قالت: أراهن أنك هنا لحضور مؤتمر خاص بالشعر، أو أنك في مهمة عمل.. وأراهن بأن زوجتك هنا في بعض المحلاّت القريبة...
ارتبكت كثيرا.. ولم أجد ما أقول، فأنا لا أعرف هذه السيّدة، وهي تراهنني على أشياء خاصّة بي.. وخاصة جدا...
لاحظت السيّدة حيرتي فأضافت قائلة، أراهن أيضا بأنك لم تذكر صديقة قد قلت لها منذ أكثر من عشرين عاما، "المرأة تتحوّل إلى كائن آخر حينما تنال شرف الأمومة"... وفي لمح البصر عاد أمام عيني المشهد كما هو... في مكانه وزمانه، منذ أكثر من عشرين عاما، في أروقة المركب الثقافي يحي بن عمر في سوسة، حينما كنا نتطلّع لأن نقول شيئا مفيدا...
لقد تذكّرت هذه السيّدة، وقد تغيّرتْ كثيرا.. ورأيت في عينيها عمرا يناهز عشرات السنين بحساب الحزن.. والملامح لم تبق كما هي... كلّ ما بقى على عهده، هو ربطة حجابها... ولونه...
وأجبتها، قد خسرت رهانك الأول والثاني.. فأنا هنا لا لأحضر مؤتمرا في الشعر ولا في مهمّة عمل، جئت لكي أتنفس، وزوجتي ليست في أيّ من هذه المحلاّت، لأنّني لم أتزوّج بعد..
وأمّا رهانك الثالث، فأنني لم أتعرّف عليك فعلا، فقد فعل فيك وفي الزمن ما شاء، وأضفت، وأنت؟ منذ متى تحوّلت من امرأة إلى أم؟ وأين هم أبناؤك وزوجك، أليسوا معك؟
كان سؤالي كطعنة، أو كصفعة... وأجزم بأنني رأيت دمعا في عيني المرأة وهي تقول لي، أنها لم تنل شرف الأمومة، ولن تنالها مطلقا... وفهمت كلّ المعنى... فهمت كلّ ما حدث بصديقتي القديمة... ونظرا لارتباطاتي الشخصية، لم أتحدث إليها كثيرا، فكل حرف سيكون بمثابة خنجر وألم، فالأكيد بأن حديثنا سيكون غارقا في ذكريات قديمة...
مرّت صديقتي، بعد أن سخرت من أسفي من عدم وجود كتابات الراحل غابرييال جارسيا، وكانت سخريتها مزيجا من العتاب واللوم، العتاب لأنها اعتبرت ما أفعله سببا لضياع عمري،  وعدم زواجي إلى الآن... واللوم لأنني واصلت نفس الأخطاء، على حدّ تعبيرها...
وانطلقنا كل إلى وجهته، وتحوّل يومي إلى حزن عميق، حزن لموت رجل لا أعرفه، فقط قرأت له القليل مما كتب.. وحزن لأن آثار هذا الرجل غائبة في مكتبات العرب... وحزن من أجل صديقة، لم تنل شرف الأمومة بحكم القدر والفيسيولوجيا... 

د. محجوب احمد قاهري
2014

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

بكل حب

2016