أه يا عزيزتي،
ليلة البارحة لم أنم جيّدا. كان نومي متقطّعا. فكرة صاخبة كانت تجول برأسي، أثقلته وأرهقته. لم تدعن أغمض عيني ولو لساعة واحدة. قد ينتابك الفضول لتعرفيها، وبالتأكيد سأقولها لك، فأنا لا أخفي عنك شيئا، حتى أني اكتبه لك، لتعرفيه متى أردت. فتهيئي لتعرفي هذه الفكرة..
في هذه الليلة كان المطر يذرف حبّاته، وكانت الريح تلاعبها، واوراق شجيرات العنب والليمون تتأوّه، كأنّ ثقيلا بصدد جذبها من أذنيها، ولا تقدر ان تفعل شيئا، بعضها سقط، واغلبها تمسّك الى النهاية.. والوردة لم تستطع الوقوف أكثر، فانكسر منها غصنين.. ولم تذرف دمعة واحدة..
ومواء قط بعيد.. يا له من مسكين، لعلّ قطته أحالته الى خارج فكرتها، فظلّ الطريق.. وراح يكتب خيبته في ليلة ليلاء.. فتحت النافذة لأتبيّنه، لسعني برد قارس، ولم أر القط.. يبدو انه كان يشرح أوجاعه في شارعنا شبه المظلم.. وبعد ان أغلقت النافذة هاجمتني نوبات من السعال الكثيفة.. الى حد الصباح وأنا اسعل..
لم أقدر الى العودة الى سريري، الفكرة والسعال ومهام الغد وثقلها، وإلف سؤال، كل هذه فتحت أذرعها لتستقبلني استقبال الفاتحين.. فتحت التلفاز، الانتخابات في تركيا اوشكت على نهايتها، الجولة كانت ديمقراطية بامتياز، الا ان دورة ثانية لازمة لانتصار واحد فقط.. إذا سننتظر صداع آخر.. فمعرفة ما يحدث حول العالم ادمان مقيت، يضطرنا الى ان نحافظ على الريموت كنترول، لنجول بين القنوات الإخبارية، التي تفسر كل واحد الاحداث من زاوية مغايرة، وانتماء مغاير.. الا ان الجميل في هذه الانتخابات ان جميع افراد الشعب قابلون لنتائج الصندوق، حتى الساسة لا يتسابون، ولا يلعنون.. لا شيء جديد في الاخبار..
انتقلت الى الجلوس وراء حاسوبي، أصدقائي كل منهم في حال: منهم من أطفأ مصباحه، ومنهم من لا زال، الا انهم اتفقوا جميعا في كونهم في صمت طويل.. يبدو بأنهم نائمون.. وعلى صوت المطر والريح والاخبار القديمة وصمت الأصدقاء، وجدتني مضطرا الى ان أحاول الكتابة.. وقد تسألين: لمن سأكتب. لك طبعا يا عزيزتي. وازدحمت مواضيع الكتابة في رأسي، زيادة على الفكرة التي ارهقتني. فكتبت بعض الخربشات..
الإخلاص هو الوصفة التّي لا يمتلكها الا أصحاب القلوب الكبيرة المحمية بعقول أكبر، وبضمائر صلبة.
الوفاء هو غلق قلب بعد دخول من يستحقه فيه، ولا يفتح لغيره بعد ذلك.
الطيبون نوعان، نوع ضعيف تتكالب عليه الدنيا، ونوع قوي يضيء كمصباح في عتمة.
العدل ليس ان تساوي في العطاء، العدل ان لا تجعل أحدا يعيش الخصاصة.
الحب طريق طويل، كل معاناة، لا ينجح فيه الا الصادقين، وبرغم كل ألامهم وجراحاتهم فهم مستمتعون.
لن أطيل عليك يا عزيزتي، ففي الأصل انا أكتب لك أنت، وهذه رسالتك، ولا أريد ان يصيبك الصداع بسبب خربشاتي.. فاعذريني، لأنني مؤمن بانك اول من يسندني، وسيسندني.. وأنك تساندينني فيما أكتب.. وأعتقد بانك تودين أن تعرفي ما الفكرة الصاخبة التي ارّقتني، وطاردت نومي ليلة كاملة.. ستعرفينها الان..
الفكرة هي، إذا ما التقينا الى الابد: كيف سأخترع الكلمات التي سأقولها لك صباحا مساء، وكل خروج وكل دخول.. احبك لو تكررت كثيرا ستصبح عادية، ولا بلا نبض، وكذلك كل الكلمات المتعارف عليها.. أرجوك يا عزيزتي أعنينني على هذه الفكرة.. قولي لي، كيف اكسر الروتين اليومي، كيف اخترع كلمات تليق بك.. ولا تصبح عادية..
سأنتظر اقتراحاتك ان فعلت.. احبك
المخلص.
د محجوب احمد قاهري
طبيب وكاتب تونسي
