-->
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

رسالتي الثانية اليك في 2020







منذ أشهر لم اكتب اليك.. كأنّ حركة الأشياء بداخلي توقّفت في منتصف الحلم.. لا المارّون مرّوا.. لا العابرون عبروا.. لا القابعون خلف جدران النسيان نسيانهم، ولا الذّين نذكرهم حضروا.. فقط، بعض الأشياء لازال جذعها اخضرا.. وبعضُ الابتسامات تُنبئ بوصول الربيع ولو بعد فوات الأوان..

حتّى أنتِ، لم يكُن حضورك خارقا، ولم يكُن غيابك صادما.. كنتِ في منتصف المكان.. وفي منتصف الزّمان.. وكنتِ في منتصف الحبّ وفي منتصف الكره.. 

وكلّ منتصف لا معنى له.. لا حركة فيه! المنتصف موت حقيقي مؤجّل اعلانه!

لا اعلم مدى وقع بدايات رسالتي عليك، هل هي جيّدة.. ام سيّئة؟ حقّا لا اعلم.. كل ما اعلم، انّه كلّما ضاقت، لا أجد أحدا سواك أحدّثه.. بطريقتي الغير مرتّبة، والغير انيقة، في كثير من الأحيان.. لا لشيء، سوى لأنّك ذاك الذّي يبقى بعد كل شيء.. ذاك الذي ابوح له بما لم اقله في زمن الفضاضة وزمن الاغتراب..

كثير من الأشياء اودّ ان أقولها لك.. وكلّها تزدحم على ارصفة لساني لكي تكون الخبر الأوّل! 

خبر واحد كان الأكثر احتجاجا وايلاما.. طفى فوق كل الاخبار، واستدعى عواطفنا الخالصة، كأنّها ستُكتب لأوّل مرّة بوجهها الحقيقي.. هذا الخبر: انّ بلادنا، وارض الاخرين، يغزوها الوباء..

وباء عادل في حكمه. لا يعرف مجاملة ولا وساطات. يتسرّب الى النّاس من حيث لا يدرون. يتسلّل الى الامراء كما يتسلّل الى الفقراء.. ويهاجم الاحبّة، كانوا معا، أو مفترقين.

وباء قاتل. لا يفرّق بين القلوب، بيضاء كانت ام سوداء، ليّنة كانت ام قاسية، مجتمعة كانت ام رهن الفراق.. إذا تسلّل حاول قتلها.. وكثيرا ما ينجح!

وانا وانت لسنا بمنأى عن ذلك. لا نعلم كيف سنكون عليه في خضم هذي الاحداث! فالوباء لا يُعطي منحة، في درب الحبّ، حتّى للواقفين في المنتصف.. قد ننجو.. وقد لا ننجو.. وقد نزداد فرقة.. ولله الامر أوّلا واخيرا.. 

ابتدأت بهذا الخبر، وكما قلت لا اعرف وقعه عليك، لأقول لك، في انتظار ما قد يحدث، تقبّلي منّي ألف اعتذار على ما اقترفت.. وألف اعتذار على ما لم اقترف.. حريّ بنا ان نعلم بان ليس في الحبّ اعتذار.. ولكن حبّ المنتصف يحتاج ألف اعتذار.. فلا قرب فيه ولا بعد.. فما هو الا امنية ومجاملة!

  وبعيدا عن حديث الوباء.. وردتُك الحمقاء التي لم تصمد انتظارا فوق ترابي.. فشاب عودها، وتجعّدت اوراقها.. ثم غادرت دون استئذان.. فعلتها الحمقاء وعادت من جديد! هي الان يانعة الوجه، انيقة القدّ.. تنتظر ولادة عطرها.. لا اعرف كيف او لماذا عادت؟ اما زال وقت للمجاملة!!

بالأمس، صباحا، وهي واقفة خلف الباب -وردتُك-، تمعّنْتُ في تفاصيل وجهها، كانت ابتسامتها دافئة.. ولأوّل مرّة اعتصر قلبي، كأنْ هناك مسافة ما بيني وبين التفاصيل.. كأن جرحا، باقيا، وقف بيني وبينها.. حدّثتك ذات مرّة عن غول يأكل بيننا الحضور، فابتسمتِ، وأعجبتك فكرة الغول.. فبالغتِ الاهتمام به، الى ان صار أكبر منّي ومنك.. وأكبر من الحقيقة! فعلا، لا يعذّب الانسان الا فعله.. ولا تقتل أحلامه الا سوءته!

ولمّا جلستُ خلف مكتبي.. تذكّرت بانّك كنتِ ترهقينني الحاحا، حتّى اصنع لنفسي فنجان قهوة.. وكنتُ أقول لك بانّي أحبّها من يديك.. واختلفنا في قيمة الأشياء.. فلا معنى للفنجان في حدّ ذاته.. كلّ المعنى في ان تكوني حاضرة حتّى في نكهة البنّ.. ولم تفعلي.. ولم تفهمي.. ولم اصنع قهوة لنفسي الى الان... ولن انتظرها منك.. فأسوأ ما يُطلب الحبّ... واسوأ ما يُفعل ان يُقبل به مجاملة!

ثم حاولتُ ان اكتب شيئا.. أيّ شيء.. لم أجد فكرة واضحة تراودني.. وحدها مواقفك كانت جرحا في خاصرة كاتب.. سيحوّلها ذات يوم الى نصّ جريء.. نصّ يفصل ما بين الوهم والحبّ.. فكلاهما يتشابهان الى حدّ التطابق في ذهن العاشق وحده!

مواقفك خذلتني. حينما كنتُ اكتب لك شعرا او ما يشبهه.. كنتُ أقول لك، هناك دائما الشخص المميّز في كلّ كتابة.. وطلبتُ منك ان تقرئي نصّي جيّدا، ستجدين جملتك، او عبارتك، او فكرتك تتحرّك بوضوح في جدليّة النصّ.. ستجدين نفسك فيه.. وستسبق ابتسامتك الصّادقة كلّ حركة فيك حينما تعثرين على اشياءك المنسوجة في سجّاد النص!
وأعلمْتِني في البداية بانّك وجدتِ ما تبحثين عنه، ما زرعُته لك من بذر المعاني في اوردة الجُمل.. ستتفتّح براعمها حينما تقعين عليها.. ثمّ انكرتِ لاحقا..  عُدتِ لتقولي بانّي لم أكن اكتب اليك.. وإنّي، فقط، أنثر القمح على رأس جبل.. فيجئ الحمام اليه من كل صوب! أفزعني هول ما قلتِ.. وتأكّدتُ، لاحقا، بانّك لم تقرئي ابدا نصوصي.. إنّك، فقط، كنتِ تستبيحين صدقي لتبرير غيابك.. لتبرير خطاياك.. 

انا الان لا اكتب شيئا.. انّي أرتّب التّفاصيل.. وأقيّم المواقف.. وارتّق ما يجب رتقه من اقمصة الرّوح.. سأعطي ابعادا أخرى لنصوصي.. سأكتب لمن يقرئني فقط..  ولمن يلقى نفسه في أحد مفرداتي.. ذات سنوات كنت اكتب للوطن.. خاطبني مسؤول في صحيفة بانّ الكتابة في الغزل تحرير للنص.. فجعلت العبور للوطن بجواز سفر تحمله امرأة في يديها.. فتعبرُ وأعبرُ من خلالها.. ثم كتبتُ اليكِ مباشرة.. كما كنت أكتب تماما.. كأنك الوطن..  فسرقتِ جواز السفر منّي وخُنتِ الحضور.. وانا الان حائر كيف اعود الى الوطن.. كيف اعود الي..

ولا اخفيك، نحن الان في المنتصف معا.. انا احمل لساني الطويل.. وانت ترتدين فستان خائنة.. 

انا احمل ذاكرة من نار.. وانت تحملين زيتا واعواد كبريت..

انا احمل فكرة مصلوبة.. وانت تحملين سيف النكران..

وكلّ منتصف لا معنى له.. لا حركة فيه! المنتصف موت حقيقي مؤجّل اعلانه!

وإذا قرأت رسالتي.. فاكتبي اسفلها، باني عاشق سيء الحظ.. وأنك عاشقة متمرسة..

والى رسالتي القادمة

المخلص



د. محجوب احمد قاهري




التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

بكل حب

2016