سلام عليك سلام.
كان مقدّرا لرسالتي، هذه، ان يحملها اليك ساعي البريد في 15 أغسطس (اوت).. كنت قد وعدته بذلك.. فليعذرني وقد اخلفت عهدي، فأنا الذي لم اتعود على خذلانه!
الاّ ان القدر شاء، وأخّر الموعد.. ربما ليمنحُك شرف تحديد موعدها.. وربما ليمنحُك إعادة ترتيب ما يحدث بيننا.. لتصبح الرسالة الثامنة هي الأولى، في وضع ما بعد 15 أغسطس.. وليمنحني شيئا من السلام.. ربما!
تأخر الموعد اذن، بلا سبب واضح، ولا موعد آخر بائن..
الا انه، في فجر 16 أغسطس، حينما كنت غارقا في طقوسي الخاصة، وليس بيني وبين الروح مسافة..
فجأة غرّد بجانبي سرب حمام.. صفق بأجنحته.. ثلاثون حمامة بالتمام والكمال.. كانت نائمة فوق أشجار أناملك.. ثم طارت مع الاثير، في الفجر، تحت ضوء اليقين، وحطت أمامي... ثلاثون حمامة..
يا للهول، حينما تأتيني منك ثلاثون حمامة!
لم أتعود على حضور حماماتك.. كنت ارعاها من بعيد..
كنت اعرفها ولا تعرفني..
ماذا بوسعي ان أقدم لها!... فلتشرب من ماء حنيني اليك، وهو يتدفق في شراييني كمياه المحيطات.. ولتأكل من حقول سنابل شوقي اليك.. فكلما سقطت سنبلة نبتت من كل حبة منها سنبلة شوق جديدة...
أصبحت شراييني أكبر مطمورة حب وشوق، خاصة بك، سيعرفها العالم، وسيشهدها الحضور.. وسيكتبها التاريخ..
لقد تورطت في كتابة هذا التاريخ معك وبك.. أقول تورطت، ليس لأني كنت مرغما.. لكن لأني وجدتك داخلي، دون ان أعرف كيف، ولماذا؟ ومتى؟ والى أين؟ أثمة تورط أكبر من هذا التورط؟
وربما لو عاد بي الزمن قليلا، واستشارني في حضورك، لكان لي موقفا آخر.. كأن ابتعد عنك بسرعة الضوء وبمسافة الشمس..
واني أشفق على النساء ما بعدك، سيأكلن من مطمورة هواك قمحا مغشوشا.. قمح مكتوب عليه اسمك بالدم، بالحبر السري.. وكل واحدة ستعتقد بانه لها.. ستعيش بعدك كل امرأة قصة حب عظيمة... أنت سيدتها.. وبأحاسيس لم تكتب لسواك..
ما أجمل حماماتك ايتها الجميلة.. حلقن حولي طول الفجر... وحدثنني..
زائرات الفجر كن دافئات مثلك..
حمامة منهن دعت لي من كل قلبها.. قلبي قال لي ذلك.. فالصدق لا يخطئ القلب.
وحمامة كانت حائرة، ماذا ستقول لي؟ وكان يكفي حضورها.
الان صار بيننا تاريخا مشتركا، خططنا له معا، بأناملنا..
والان صار العبء أكبر مما كان.. صارت معي حماماتك.. وسأرعاها ما حييت..
فارحلي بسلام.. ولو اننا افترقنا في اول لقاء...
وكل 15 أغسطس وانت اضافة جميلة لهذا الكون..
والى رسالة قادمة..
ودمت حبيبتي.
د. محجوب احمد قاهري
طبيب وكاتب تونسي
