قال: سأحدّثك، ولكن هل ستحتملين؟..
قالت: عمرا من الفراق احتملت... وطوفانا من ألم العجز
احتملت.. وأعاصير من وجع الحنين احتملت.. ولا زلت أحتمل...
قال: ويحك لم تغيّرك السنون.. ولا تزالين عنيدة !...
قالت: وما تبقّى بعدُ من وجع لم أجرّبه.. وجع أنثى تحمل
قلبا مكلوما، وأمنيات تكاد تموت بالصدر من أجل اسئلة بقت عالقة.. لقد كنت حبّي
الأوّل، وظللت الأخير؟ فلماذا بقيت الأخير !! لماذا بقيت عاصفة
في قلبي وعقلي ولم ترحل؟ لماذا بقيت.. لماذا بقيت؟ أأعذرك واعرف انك لا تعلم
بحبّي.. أأعذرك لأنّي لم أبح لك بما كان يشتعل بالصدر !!..
يوم جئتك، وبيدي حقائب سفري، كنت أودّ أن ارسم لك آخر
صورة تبقى في بؤبؤي، لكي لا ارى رجلا بعدك، ولا احلم بأفق آخر بعدك.. جئتك، ودون
أن تعلم، أدركت غايتي.. وخلّفت عمري على أعتابك.. ومضيت، كأن لا وطن لي... ولا أهل
لي...
لقد بكيتُ كثيرا وأنا في طريق الضياع أحلّق بعيدا..
بعيدا عنك أنتَ.. ورغم العالم الباسم الذي تلقفني، فلم يدخل مجاهل قلبي.. ولم ينر
ركنا واحدا فيه.. كنت أنتَ نقطة التقاء ما بين ضياعي وحياتي.. وكنت أدرك بأنّي لا
أحيا ولا أموت..
قال: ويحك يا أمرأه، لقد أوجعتني.. ويحك أبكيتني..
قالت: أودّ أن افهم.. أودّ أن اعرف، كنتَ حبّي الأوّل
فلما ظللت الأخير، وأخذت عمري كلّه؟... لا أطلب منك شيئا.. فقط أريد أن اعرف.
قال: هو القدر يا أمرأه... هو القدر...
بعد هذا الشيب
الذي غزى شعري آمنت بما تصنعه الأيام لنا، ولا نتوقعه، آمنت بكيمياء الوجود
الحاضرة التي توضع في طريقنا، امّا نقبلها طوعا.. أو تدكّنا غصبا...
آمنت، فوق العلم، بما كان يقوله جدّي، يا بني ابدأ
الحياة حيث تجدها أمامك.. انت مسؤول، فقط، عمّا بين يديك..
نظر في وجهها مليّا، ثمّ قال، أتريدن معرفة السرّ الذي أبقاني في قلبك، وهو نفس السرّ الذي أبقاك في قلبي؟..
فهل لي، أولاّ، بقهوة من بين يديك، تسكبين فيها حبّ عمر
كامل، وتنفثين فيها نكهة لقاء جاء بعد عمر.. أو لحظات قبل عمر !...
ابتسمت وكأن الصبح تنفّس من بين عينيها.. وقالت سأعدّ
القهوة.. ثمّ حدثني عن السرّ..
قال، دعيني استجمع أشلائي.. وقد مزّقتها امرأة، جاءت
محمّلة بالوجع والحياة !..
فهل نبدأ؟ انّ عطر قهوتك يشبهك...
ملاحظة: ان كان لديك اجابة للسؤال المطروح، اترك تعليقا
في الأسفل. وشكرا.
(يتبع)
د. محجوب احمد قاهري

من "حلمي الجميل"
ردحذف