انه الجنون
المحض.. انها القلوب القاسية. انه مرض الأنسان المزمن، الأنسان الذي يقهر ويذل
الأنسان.. بالقانون والعدل.. ولكن أي قانون وأي عدل.. جشع الأنسان هو الأقوى..
وقوى الخير ضعيفة.. ولأنها خير فهي لا تملك مخالب...
حكاية "خالتي
خيرة" هي واقع.. والم.. ودرس في الحياة... ولا أحد بإمكانه ردّ الشرّ.. ولعلنا
لا نملك الا تفسير واحد، الابتلاء... ومن أحبه الله الله ابتلاه !!
خالتي خيرة
الطاعنة في السن والمريضة، تسكن في منزل والدها المتوفي مع اخيها الذي يماثلها في
الظروف الصحية والعمر، طاعنان وحيدان مريضان، لم يفارقا هذا المنزل منذ ولادتهما، (المنزل
يقع وسط مدينة القصرين وعلى ملك العائلة منذ ما قبل الخمسينات، على حدّ تعبير
خالتي خيرة)، يعيشان على وقع منحة لا تفي بغرض الحياة، من أكل وشرب، ودواء، تشاء
الظروف، وتتحرّك مخالب الجشع، والطمع، فيلقى بالأثنين، خالتي خيرة واخيها، في
الشارع، في الطريق العام، في البرد القارس، ولا شئ...
ظهر من يريد
الأرض، يريدها للاستثمار، لمحلات للكراء، فكان مصير كائنين عاجزين في العراء...
طبق عليهم القانون !! ولسنا ندري أيّ قانون، وأيّ
قسوة اخترعت هذه القوانين وطوّعتها لمثل هذه الاعتداءات على الإنسانية...
تدخلّت السلطات الجهوية...
ولا شئ حصل.. كلّ النتائج التي توصلت اليها التدخلات، ان اُرسل بخالتي خيرة واخيها
الى منطقة ريفية معزولة، اسمها قارة النعام"، حيث لا يجدون حتى ماء صالحا يشربونه...
ويكفي هذا.. لم يستطيعا البقاء في عزلة وهما من أبناء المدينة، والنور الدائم والماء الدائم
فانتقلا هربا الى مدينة فريانة... وقام احد الخيّرين بدفع ايجار شهر ديسمبر الجاري (150
دينار)، والشهر القادم سوف لن تجد خالتي خيرة مالا لتأكل وتشرب.. فما بالك
بمستحقات الكراء... ربما سيظهر خيّرون آخرون...
وفي 17 من هذا
الشهر (ديسمبر)، سيصرف لها السيد مندوب الشؤون الاجتماعية مشكورا منحة شهرية، لفرد واحد
فقط، وهو ما لا يفي ايضا بتكفل حياة لفردين عاجوين...
ما اقوله لا يهم
خالتي خيرة فقط، العشرات يذبحون كلّ يوم بسبب الجشع، قسوة القلوب، ولم نرى سياسيا
واحدا يقف الى جانب عاجزة مكلومة وأخيها...
ولم نجد مالا
لنصرة عاجزين، مثلما ظهر في الرشاوي التي دفعت في الانتخابات او في إشهاراتها...
في هذا البلد..
يموت العاجزين، والفقراء ومن لاحيلة لهم، كلّ يوم.. ويركب على جثثهم الساسة في كل انتخابات.. ويظل الصامتون
شاهدون على كل الجرائم التي تحصل للإنسانية وباسم الإنسانية...
لك الله يا خالتي
خيرة.. ولكل خيرة في هذا الوطن..
