استغراب الكثيرين من الارتفاع المفاجئ لعدد الفحوصات الإيجابية لكوفيد 19 لا مبرر له، لان عدد المصابين الحقيقي أكبر بكثير مما يعلن عنه. ولا يجب الاهتمام بعدد الفحوصات بقدر الاهتمام بتطبيق بروتوكولات الحماية، لتأجيل الإصابة بالمرض، الى حين وصول التلاقيح.
صحيح ان عدد الفحوصات الإيجابية ارتفع فجأة، منذ أيام قليلة، وتجاوز في أكثر من مناسبة الخمسة آلاف إصابة في اليوم الواحد، بعد ان كان الفحوصات الإيجابيات بعض المآت، او ألف او الفين. هذا الارتفاع الفجائي له تفسير وحيد لا غير، وهو الانتشار السريع للفحوصات السريعة، وبيعها في الكثير من المؤسسات الخاصة، واقبال الناس عليها.
وفي الحقيقة، ومهما بلغ ارتفاع عدد الفحوصات الإيجابية حاليا، فان العدد الموضوعي يبقى اكبر من هذا بكثير، ليس لان السلطة تخفي الاعداد، ولكن لأسباب ثلاثة: أولا، لان عدد الفحوصات المنجزة تبقى ضئيلة جدا مقارنة بعدد السكان، ومستوى انتشار المرض الذي فاق في اغلب المناطق 400 لكل 100 الف ساكن، ثانيا، ان اغلب المصابين، الذين لا يعانون من ضيق في التنفس، يختفون ولا يعلنون اصابتهم، ولا يقومون بالفحوصات، وثالثا، لان ثمن الفحص السريع حددت الدولة ثمنة بعشرين دينارا، الا ان البعض يستغل ذلك لفائدة ربحية كبرى، وينجزه بما لا يقل عن أربعين دينارا، وهو ما حرم الفقراء ومتوسطي الدخل من اجرائه ان رغبوا.
والمؤسف في كل هذا هو ان الناس طلقوا، طلاقا بائنا، التعامل، وانفاذ وسائل الحماية، وركزوا على تعداد الفحوصات الإيجابية. ولو كان الاهتمام بتطبيق بروتوكلات الحماية أولوية، لكانت اعداد المصابين اقل، لتأجلت الحرب مع الفيروس الى حين استكمال التلاقيح. لان وجود مناعة طبيعية او صناعية عن طريق التلقيح هي الحل، وكل الوسائل الأخرى ليست سوى تأجيل للمواجهة في انتظار المناعة الصناعية.
لم يشهد التاريخ بان شعبا من الشعوب حافظ على قيود فرضت عليه فرضا لمدة طويلة، فهو يحاول كسرها في اول فرصه، ولهذا فان سنتي ظهور جائحة كوفيد 19 تعتبر مدة طويلة جدا امام شعوب هذا القرن، ولذلك فهي حاولت وتحاول ان تكسره تقريبا في كل بلدان العالم دون استثناء، ودون اعتبار لمستوى وعيها. وبذلك يكون الاعتماد على الاستمرار في الدعوة الى الحضر ومنع الناس من العيش طبيعيا هو ضرب من اللامنطق، وتكرار للفكرة التي لا تنجح، ويكون بذلك التلقيح قبل المرض هو الحل الوحيد.
د. محجوب احمد قاهري
طبيب وكاتب تونسي
