مساء الخير
لعلّك افتقدتِ رسائلي.
لم اكتب اليك منذ زمن بعيد. لم اعرف أسباب انقطاعي كل هذا الوقت. ربّما انشغلت. وربّما تغيّرت. او ربّما لم أعد ارغب في الكتابة اليك. انّه الاهتمام يا عزيزتي! منّي او منك، او منّنا معا!
والمعذرة يا عزيزتي.. قد اختلطت الأمور عندي.. ولم أعد أتبيّن الا النّزر القليل ممّا يدور حولي.. فبعض ما يحبطنا هو فنّ الحياة! كما يسمّيه البعض.. فالمراهنة على الثقة في الاخرين، كالمراهنة على استمرار الحياة بعد تجرّع السم!
قد تُدهَشين حينما اخبرك بانّي استبدلت الكثير من وقت القراءة والكتابة بالموسيقى.. اصابعي تكد وتجد، وأذناي تحاول، وما بداخلي يقول استمر... وفي الحقيقة انا لم اتغيّر، مطلقا.. انا امارس بعض ممّا كنتُ ارغب.. وما حاولتُ سابقا ان أقوم به ولم أكمله..
هل تصدّقين، بأنّ المرآة، وحدها، تُنبئُني بالوقت.. فكم ارتني بانّ الشّيب اكتسح لحيتي وشعر رأسي.. وانا لم أحص بعدُ عدد السّنين التّي مرّت بي، او مررتُ بها.. لازلتُ منهمكا في جمع التفاصيل.. وفهم ما يحدث..
وأنتِ واحد من هذي التفاصيل..
كنتُ اسأل الساعات التي كانت لك وحدكِ عنكِ.. ماذا كتبتِ فيها على جدران شراييني؟ وكم بقي من عطرك يملأ اركان حجرات القلب؟ ومليون سؤال آخر يتبعني، كرضيع يتبع والدته..
آه يا عزيزتي، انّه الاهتمام إذا! ولو لم يكن الاهتمام لما كانت هذه الأسئلة.. وربّما لما كانت لك هذي الرسائل..
المرء بما أنجز.. وعمره ليس سوى إنجازه، وما عدا ذاك وقت ضائع.
والقلب بمقدار ما أحب.. وما عدا ذلك شقاء وتعب.
والاهتمامُ ليس خيارا في الحبّ.. انّه جسد الحبّ، فعله وسلوكه، وما يبدو منه. ومتى وُجد الحبّ، فآثاره الاهتمام.. ولم تكوني معي كما كنتُ.. كنتُ اتنفسُ بكِ، وكنتُ حواراتك عند الملل، فكنتِ كلّ وقتي، وكنتُ بعض من فراغك. فلم نستوي في العطاء..
والمهتمُّ سند لا ينتظر مقابلا.. سند يمدّ عمره اليك ولا يساومك... سند يقف إلى جانبك ولا إلى جانب ما تمتلك.. سند تهيم الروح اليه شوقا، ولا يتركك حتى في الغياب..
ما اروع نابليون، وهو يصف هذا السّند، حينما قال " لقد نلتُ، يا جوزفين، من المجد، والسطوة، والسلطان ما لم ينله انسان قط، وبرغم ذلك، فها أنذا لا أجد صديقا مخلصا يمكن الاعتماد عليه غيرك"..
ولطالما تمنيتُ ان تكوني سندا.. وكانت مجرّد امنيات..
بحوزتي الكثير ممّا سأقوله لك.. ولن اطيل عليك، فلدي متّسع لكتابة رسائل أخرى..
وان قرأتني الان.. فاكتبي الي.. حتى اعلم أنك قرأتني.. وتأكدي بأنني لا أفكر بانك اهتممت.. فأنت آخر من يهتم..
ولأجلي كوني بخير
إلى رسالة قادمة
المخلص
د. محجوب احمد قاهري
