كأن الوقت توقف تماما.. أو كأنه بدأ يتحرك ببطء من نقطة زمنية قديمة جدا!
غريب أمره، هذا الوقت، لا تفسير له، ولا منطق له. يطول ويقصر، يسرع ويتوقف، يقفز الى الامام، كما يعود الى الخلف..
الساعة الواحدة ليلا، والمدينة القديمة بمرسيليا غرقت في سكونها.. وقد حولتها الاضواء الى لوحة فنية من رسم "بيار منيار" او "ماتيو لو نان" او لوحة لرسام مرسيليا "جاك بيلقرين".. وأما شارع "لوكانابيار" فبدى كأنه الحبل السري لهذه المدينة الخجولة ليلا..
أغلق النافذة التي كان يطل منها، وبعد ان سرقته منه للحظات، عاد اليه.. وكأنه يلتقي بصديق قديم، لم يره منذ أمد طويل..
فجأة، تذكر، بانها منذ سنوات، وفي هذه المدينة، سألته: حدثني عنك؟
لم يجبها أنذاك، لأنه لم يكن يعلم ما قد يحصل بينهما.. هل سيكملا معا مشوار الحياة او يفترقا... كان هناك شرخا بينهما، حسب ما كان يعتقد، شرخا كبيرا، قد لا يلتئم.. فهي لا تدين بدينه.. هو مسلم وهي مسيحية! وقد يفرق بينهما الدين الى الابد!
كانت تعرف عناده، فهولا يجيب على اسئلتها الا متى أراد، فلم تتمسك بإصرارها.. كان قلبها مدينة كبيرة تتسع لكل خرافاته وعجرفته وسذاجته وطيبته.. ووضوحه معها...
وهي لا يشبهها أحد.. حتى انه مهما أرسل نظره بعيدا لم يرى غيرها... كانت تفهم نبضه، كأنها عقله وقلبه في آن واحد... وكلما اشتاق الى حضورها، كانت تحضر دون استدعاء، كأنها تتنبأ بكل ما يريد.. وتنفذه دون أن تسأل.. او حتى ترهقه في عناد لا معنى له.. كانت امرأة حقيقية، تريد صنع معنى للحياة... حياة تشكلها هي مثلما تريد، ودون مواجهات تذكر.
ولأنها تعرف بان اختلاف دينهما مشكل أساسي بينهما.. زيادة على رأي والدتها "ماريا" الرافض.. فقد كانت تراهن على تغيير الوضع بمرور الوقت.. فقد تتغير "ماريا" ولكن هل يتغير الدين؟
بسرعة عادت ذاكرته الى آخر لقاء بينهما.. هناك في وطنه.. قبل اقلاع الطائرة الاخيرة.. حينما حضر لتوديعها... ففاجأته بما لم يكن يتصور... ولم يكن يصدق ما حدث!
د. محجوب احمد قاهري
طبيب وكاتب تونسي
