-->
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

سرّ ماريا ..



بعد خروجهما من غرفتها، جلسا متقابلين في غرفة الجلوس كأنهما حائران.. ماريا تحمل فنجان قهوتها، كأنها تعصره بين يديها.. وظل هو يرمق فنجانه، كما يرمق مستغيث أملا.. انها فناجينها.. قد اشترتها ذاك المساء البعيد حينما أمطرت في شارع "لو كانابيار"، وظلا معا تحت زخزات المطر، كأنهما تائهان في سموات سبع من الهوى... وحين وصولهما الى هذا البيت، الى هذا الصالون، شرب ثلاثتهما من نفس هذي الكؤوس، قهوة بطعم آخر، طعم اللقاء، ظلت تفاصيله كأنه هو العمر..
طال صمتهما، وهما متقابلان، قليلا، او كثيرا، ليس يعلم.. قاطعته ماريا، بصوت ثقيل ورقيق، في آن واحد: أما زلت تذكرها؟
اجاب: اني أذكر خطاها، خطوة خطوة، على ارصفة الميناء القديم، في باحات المتحف التاريخي، على مقاعد دار الاوبرا، في الفضاءات المرتفعة لكنيسة "نوتر دام" ، وفي المدينة القديمة.. لا شيء تاه مني.. كل التفاصيل حاضرة.. وبهدوء أكبر سألته: أكنت تعرف ما كان موقفي منك؟
نعم، كنت اعرف. لقد حدّثتني عن ذلك مرات، وأقنعتني بان الزمن قادر على تغيير المواقف، وتغيير القلوب. لقد حدثتني بانك كنت تجتهدين كثيرا لكي تتخلىن عني..
أتعرف لماذا كنت افعل ذلك بكما؟ وكيف كان اصراري على فراقكما؟
لم تفسر لي. ولكني كنت أحمل تفسيرا خاصا بي. كنت اعتقد بانك لا تحبين العرب. ولطالما اقنعتني هي بخطئي، ولكني، لم أجد تفسيرا آخر.
ببساطة، لقد كنت أخشى فراقها، وابتعادها عني! وقد علمت بانك شديد التمسك بالرأي والارتباط بوطنك.. وعلمت بان بقاءك معها، يعني فراقها عني.. لذلك كانت هي ملتاعة بين نارين، وفراقين: فراقك او فراقي.. وها انها رحلت وساوت بيني وبينك في الم الفراق.
لقد كان ألمي حادا، ووجعي كبيرا، يوم عادت من بلادكم، وهو تلبس "الشال الأحمر"، يومها بكيت.. أدركت بان حربي معك أصبحت أكثر شراسة.. لقد أحسست بالهزيمة، وهي تستجيب لك، وترفض مطلبي.. أحسست باني أخسرها، وإنك تكسبها.. ومن يومها زاد كرهي لك..
كان يسمع التفاصيل بقلب مكلوم.. رحلت هي، وبقى كره مقيم في قلب والدة، لم تستجب لقلب ابنتها...
ثم سألت، أتعرف ما بقى لي، حيّا، منها؟
أجاب: لا اعرف.
قالت: بقيت أنت.. إنك قطعة منها.. واغرورقت عينيها بالدمع...
في لحظات وقفت، كأنها تداري عجزا هائلا..
وقالت بصوت منخفض: لدي مقالا سأرسله الى جريدة "لوكروا"، علي اكماله... سألته ان ادخل غرفتك... ثم دخلت مكتبها، وأغلقت الباب، دون ان تقول تصبح على خير.
تحرك الى غرفته متثاقلا.. وكم كان ليل مرسيليا بطيئا هذه الليلة...



د. محجوب احمد قاهري
طبيب وكاتب تونسي



التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

بكل حب

2016