التقاها بعد عشرين عام، كان وحيدا وكانت ممتلئة.
الضوء خافت.. والمساء مشتعل بأنفاسهما...
بينهما مسافة أعوام.. والذاكرة الزائرة عادت، دون ان تتبرّج وتصفّف شعرها.. عادت كأنها ذاك اليوم...
ذاك اليوم مثل هذا المساء.. رسالتها كانت كانفجار مفاجئ لقنبلة موقوتة... هي من حددت تاريخ انفجارها... لتدمير كل شيء...
هي.. سوف لن يصيب حدائقها حرائق، ولا ضياع نبت.. ستتفرج كأيّ أنثى على موكب رجل انفجرت في شريانه قنابل الكلمات.. حتما سيثير لديها الشفقة.. الى ان ينتهي موسم الاحتراق.. انه مجرد حادث سير..
"حبيبي، قد سئمت منك.. خطاك ثقيلة والدرب طويل.. سأمضي دونك.. لن اعود... فلا تحاول.."
مقدمة رسالة حارقة.. مفاجئة.. ولا عمل بعدها سوى الاكتفاء.. وترميم ما تبقى...
نظر في وجهها مرّات.. فقرأ الرسالة مرات.. لا شيء آخر مكتوب في عينيها...
ارغم شفتيه على ابتسامة بلا لون.. نفس الذاكرة حاضرة... كما هي.. كل التفاصيل مشدودة الى بعضها..
هل أنت بخير؟
قالت: نعم.. انّي بخير.
وقلبه كان يقول، ومتى لم تكوني بخير.. فحتى يوم انفجار رسالتك كنت بألف خير...
قال، سأشكوك للسماء.
وهل ستستمع اليك السماء بعد عشرين عام؟
قال: بعض المظالم لا تسقط بالتقادم.. بعضها يسبقنا يوم الحشر. يعلن عن نفسه، ولا يحتج. فهناك يتحقق العدل كما هو، بكل سلاسة.
وماذا ستقول لقاضي القضاة؟
سأقول، باني لم اختر حضورك في حياتي. كنتِ وميضا سرى في دمي، فأحببته. ولم اختر رحيلك، انت من اختار.
فرق واحد بيننا، انني كنت عادلا في سيري. وكنت انفجارا في طريقي. انفجار من صنع يديك.
فرق واحد بيننا، انني كنت عادلا في سيري. وكنت انفجارا في طريقي. انفجار من صنع يديك.
سأقول له، هذا قلبي مبتور.. أعيدوه الي...
سأقول له، هذي رسائلي اليها.. كم تعشقها.. واسألوا عنها أناملي ويدي...
سأقول له، انّي منذ الان لا أعبأ بشئ.. حتى هذي الذاكرة خذوها بعيدا..
بعد عشرين عام وقف التاريخ كبركة ماء...
ووقف وجهها كذاكرة محفوظة..
وبقت رسالتها حدا ما بين مسافتين.. وقلبين.. وطريقين وعمرين..
تمر اللحظات كأنها تحدث.. ولم تحدث..
عشرون عام مكتوبة في سطرين.. على رأس رسالة...
فقط لا تجعلوا قلوبكم وطنا دائما... فعلى الأرض لا شيء دائم... حتى الحب مزحة... كبيرة.
د محجوب احمد قاهري
