المساء صاخب، وهو لم يتعود على مثل هكذا صخب. الاضواء كالحدائق.. الموسيقى كفزع جنوني، يبثّ الحركة في المفاصل، ويشحنها الى ما لا نهاية..
أمل هنا... هنا استيقظ هذا الامل...
فجأة يكتشف ان لا أحياء على هذا الكون غير الذين دخلوا من بوابة الشرايين، زوّارا كانوا او مقيمين. وما عداهم ليسوا سوى في حكم العدم.
وخطر بباله ان لا شئ اسمه الموت. حتى الذين حسبناهم ماتوا، يستيقظون كلما اردنا، و كلما دعت حاجتنا اليهم.. وكلما أرادوا.. وكلما دعت حاجتهم الينا..
مع الوقت نتحول الى انصاف. نصف للمقبرة ونصف للحياة. الذين في المقبرة يوهمننا بانتهائهم، الا انهم يوجعوننا كل حين. والذين هم في نصف الحياة، يخربشون كل يوم حكاياهم في ذواتنا. والكل باق، هذا وذاك. وحظنا موكول لاتساع هذا النصف او ذاك.
في هذا النصف، النصف الحي... هناك أمل...
أمل.. عمر مفترض... ينزل على قدميه الى ارضنا او لا ينزل، امر افتراضي ايضا.. لكنه أمل...
جنون الموسيقى وجنون الحضور فوق اي تصوّر.. لا عقل هنا.. هنا لغة واحدة، اخرج منك، ودع جسدك يقاتل.. دعه يدير كل الحروب التي تعترضه، فأقصى خسارة قد تعتريه ان يضيع منه الوقت..
أومضت ابتسامة حارقة على شفتيه، ما معنى ان يضيع الوقت؟ الا يعتبر حضوره الان مضيعة للوقت؟ أمر غير عادي، حين يقرا كتابا، يسكن العالم من حوله، حتى جسده يتداعى للانحلال والذوبان، لا حركة سوى لطيّ صفحة من الكتاب.. والان، لم يعد يتسع الجسد لأي حركة اخرى، تزدحم الخلايا وكأنها ستتناثر.. كم اضاع هذا الجسد من وقته؟ ليس يدري...
أمل... بابتسامة هادئة مارقة من محيطها الصاخب أوقفت في فكره كل حركة سؤال.. لم يعد فيه من شئ يرتبط بالمكان.. لا معنى للموسيقى.. لا معنى للأضواء الممتعة.. لا معنى للراقصين.. ولا للحضور.. أمل... ينبت من بين نواجذ ابتسامة.... وحيدا منفردا في زحمة لا متناهية..
حرّك عينيه في اتجاهها.. الاجساد الطائرة لا تلوي على شئ.. تتناثر في كلّ صوب.. المكان لم يُصنع للهدوء ولا للهادئين... وهما فقط، هو وابتسامتها، هادئان.. واستحال على عينيه ان تصل اليها..
يجري الوقت، يلامس جنون الموسيقى.. لا شئ يُذكر الا ابتسامتها.. وحنين الى ابتسامة أخرى.. والساعات كأنها اضغاث حلم.. لا معنى للوقت، الوقت الذي لا يأتي بها الى النصف الحي...
وفي ساعة مروعة تجمدت الموسيقى.. تحولت الأجساد الى كيانات مشلولة.. الهدوء.. الهدوء.. الحاضرون مسترخون.. يغادرون.. يمضون في كل صوب..
لا شيء منها بقى.. المقعد الفارغ ممتلئ بالذكرى.. بابتسامة هادئة كبيرة...
انتهى العرض...
أمل... يوشك ان يرحل..
ورحلت...
وبقت الانصاف على عادتها... فليس كل الآمال تتحقق.. ولكن كل الآمال قد تتسع في نصفنا الحي...
أمل...
د محجوب احمد قاهري

من رواية سراب في ظل...
ردحذف