الحبّ والحريّة طائران لا يلتقيان فوق اليابسة. أول فراق بينهما كان حينما أخطأ آدم وحواء، هناك في الفردوس الاعلى. أرسل الله بهما الى الارض، والقى الروح في مساحة ضيقة جدا، اسمها الجسد.
هناك في الفردوس، لا شئ يمنع الروح من ان تعيش حرّة، مع توأمها، حياة دائمة.. لا موت بعدها.. فيرفرف الحب عاليا، حرّا، طليقا... في سمفونية تناغم عظمى.
وهنا في ربوع الجسد، واعباءه، سجن كبير ممتد. لا الروح تفصح عن رغبتها، ولا الجسد يسمح لها بالانطلاق... وبينهما يعاني الحبّ الامرّين، ويظل مقموعا... كل ما يبقى متاحا: الاحلام، والرؤى والتخيّل... والسفر بين الشقوق الواقعة بين الروح الجسد... الى حين الانفصال عن بعضهما.
إذا جاء الحبّ فلا رادّ له. فهو نور يقذفه الله في قلب البشر. يوحّد بينهم. لكل روح شقيقتها. وهو لا يستأذن، ولا يطرق بابا. يمارس طبيعته، الانجذاب. تحكمه قوانين فوق المادة. الا انه لسوء حظّ البشر، ما بعد الفردوس الاعلى، يقع سجينا في جسد محدود القوى والخوارق، تحكمه قوانين أخرى.
وإذا جاء الحبّ فلا يغادر أبدا. ما من حبّ اقتحم حضورنا الا وبقى. فهو مرتبط بالروح، وهي باقية والجسد فان. ابحثوا في ارواحكم، هل غادركم حب ما؟ لا اعتقد. حتى وان غاب، فقد تّحضره، كلمة، عبارة، صوت، رسم، طاولة، كرسي، مكان، حديث، اغنية، قصيد.. صوت المطر. لحظة ما قد تكون كفيلة بإشعال كل الحرائق. تحترق الشرايين، وتسري أوجاعها في كل مفصل، وفي كل ذكرى. تكمن مأساة البشر، في كونهم، منذ استيعاب فكرة الحب، يدخلون آتون الوجع، ولا يخرجون منه. انهم لا يتحررون من هذا الألم الا بانفصال الروح عن الجسد.. حينما تلقى الروح توأمها الابدي.. تستمر معه، وتطوى صفحة الألم.
أغلب الناس حضورهم في مكان، وقلوبهم في مكان آخر. الا انهم يخترعون ألف خدعة، ليوهموا أنفسهم بأنهم بخير، وغارقون في نعيم الحب. او انهم يعيشون بعيدا عنه. والسبب واحد، توق ارواحهم الى مثيلاتها. قد يتوهمون أحيانا وجودها، الا انّ الجسد يسجن الروح وينفيها. وحينما ينفرد الجسد بالجسد، تهرب الروح بعيدا ومعها الحبّ، فهما من عالم آخر، لا يتوافق مع عالم المادة. لذلك يعتبر الزواج مؤسسة لاستمرار النسل وتنظيم المجتمع. لا حالة للتدليل او اثبات الحبّ.
الحب في عالم البشر يتنافى مع الحرية. فهو جريمة في منظور المجتمع، وسيبقى هكذا، لأنه إذا اتخذ سبيل الحرية، سيتوه البشر بحثا عن ارواحهم دون مراعاة لأي شيء. استمرار البشر في هذا العالم أولى من البحث عن توافق الأرواح. وهو ما سيدركه البشر بعد انفصال اروحهم عن سجونها، الأجساد.
لذلك ستظل الأرواح تتوق الى بعضها من بعيد.. ليستمر الكون الى نهايته.
د محجوب احمد قاهري
