العنوان من وحيها...
كدفتر قديم ملقي على رفّ مكتبة، ما بين نسيان قديم ونسيان جديد. ورق ذابل، وغلاف يشبه سماء يوم غائم. عناوين أشبه بعناوين الصحف المحرضة، بلون قرمزي، وعناوين أقل أهميّة، وأخرى ملقاة في زوايا، كأن لا أحد يسأل عنها. انّه قلبه، الذي رافقه حتى من قبل أن يولد.
قد يحدث لقلوبنا ما يحدث للأشياء جميعها. قد تُمزق في لحظة غضب. قد تشتعل في لحظة غياب. قد تورق في يوم ممطر. قد تشرق فيها الشمس، تحييها، كما تحيا كل الكائنات. وقد تُنسى ... كما تُنسى أغلب أيامنا، ولا تبقى منها سوى بعض الذكريات. فتصبح حدثا، أو حكاية تكتبها الأيام. وترويها لحظات عابرة.. تقول يحكى أنّ قلبي...
يحكى ان قلبه كان حرّا. لا شيء يربطه بتفاصيل الأرض. يحلم كما يشاء، ويحلق كما يشاء. ينام في تفاصيل الوقت ولا شيء يتعبه، او يقض مضجعه. يتزين للأحلام، يخرج امامها عاريا تماما من رغبته، من فضوله، من سوءته. لا شيء يحكم نبضه، سوى هو. الى ان سار العمر بعيدا، بعيدا عن أبواب الحرّية، ولم يعد هناك من مجال للرقص كما كان.. واللهو كما كان، والحب كما كان... كما كان...
يحكى ان قلبه انتظر كثيرا.. الى ان تعب. جنون ان ننتظر من لا أمل في رجوعه.. وجنون ان ننسى انتظاره. وجنون ما بين هذا وذاك. أوقد قلبه شمعة الغياب، ووقف امام باب الريح لكي لا تطفأها... وواصل الانتظار على ضوء خافت...
يحكى ان قلبه امتلأ بها، فأرهقته كداء عضال. كيف دخلت اليه، وكان يأبى.. وكيف استقرت فيه، وكان يأبى. حمل ركبتيه متثاقلا، بقلب عاجز مسكون بالبقايا، فتح نافذة الغياب، وحدّث المارّون عن قلب مثقل.... فلا خيار امام سكان الحبّ، فهم يدخلون قلوبنا غصبا. يحطمون احلامنا غصبا. ويمرون دون أن يبقوا المكان فارغا، حتى ولو كان حطاما.
يحكى ان قلبه كان مدينة مسكونة بالحضور.. فأضحت مسكونة بالغياب.. الغياب الذي لا يشفى منه...
يحكى ان قلبه.. يحكى ان قلبي... يحكى ان قلبك...
د محجوب احمد قاهري
