طويل جدّا هذا
الشارع وساقاي لم تعد تحتملان مزيدا من المشي.. مدينة الجان لا تشبه ايّة مدينة..
هنا لا شئ يشبه أشياء الهناك.. ولا حتى أنا أشبه أنا.. سأتقدّم أكثر لعلّي أجد
مكانا قصيّا، أواري فيه تعبي، وأشارك كأس شاي جمال اللحظات...
من "قلعة
الذهب" تصيح أم كلثوم بصوتها الصافي القوي، بكلماتها التي تتحرّك ككل البشر،
وعلى بعد مترين، في "خيمة الصفصاف" تردّ وردة الجزائرية برومانسية أحسّها
لا معهودة.. وددت لو استمع إلى الاثنتين.. وأن أكتب شيئا على طاولة الوحدة التي
ترافقني.. وقفت كثيرا فوق حيرتي.. ثمّ انتهيت إلى قلعة الذهب..
ما بين ضنى وضنى..
ظلت ورقتي فارغة، وقلمي كطفل صغير يلعب على صدر كفّي.. لم أكتب شيئا.. فعلا لم
أكتب شيئا.. اقتربت من طاولتي "قابريالا"، هكذا قالت اسمها، تحدثنا لنصف
ساعة عنّي وعنها، وعن ما يحدث، كنت متعصبّا، وكانت رقيقة إلى حدّ أن استحييت من
طريقة حديثي.. جميل هو المساء.. وجميل هذا الحديث ما بين الشرق والغرب... ما بين
ابن الجبل وبنت الحضارة !!.. ابتسمت قابريالا وغادرت، بعد
أن طلبت كلّ تفاصيلي... وهنا قفز إلى صدري ليل الميناء القديم الواقف على جبين
مرسيليا... ذاك الميناء الذي وقف فيه التاريخ وقفته الأخيرة.. ولم يتحرّك قيد
أنملة...
تاه طعم الشاي،
وتاه جمال المكان.. وتهت في حضرة التذكّر... وقفت كعجوز يتكأ على حافة الطاولة..
وحملتني خطاي إلى حيث شاءت...
الكل يبتسم، فرح
عارم على كلّ الوجوه.. من هنا مرّت فلورانس... وهنا وقفت... وهنا أخذت صورة
تذكارية.. وهنا راودها الصّبا على القفز كطفلة في الرابعة... وهنا استحيت منّي وهي
تمارس عفوية فتاة من الغرب.. وهنا وقفت لتعدّل من حجابها الوردي..
كلّ الوجوه تحوّلت
إلى وجهها.. لم يعد المكان يتّسع لغيرها.. وتزينت مدينة الجان في حضرتها.. وما أجمل
مدينة الجان في حضرتها..
في زحمة التذكر استوقفني
صديق، سألني هل أني أضعت عنواني؟ حرّكت رأسي يمينا وشمالا.. ثمّ مضيت دون أن انبس
ببنت شفة... واتجهت إلى حيث أقيم...
في غرفتي وجدت
حاسوبي وورقي... واحتمالات كثيرة بأن أكتب شيئا.. وكأنّي أمشي على رصيف الميناء
القديم....
د. محجوب احمد
قاهري
