المساء نصف مبتسم.. والشمس ركبت قاربا صغيرا وغادرت، لم يبقى منها سوى شعاع أحمر يخترق عباب السماء.. وبعض العتمة قادمة على مهل..
السفن، على ضفتي الميناء القديم، مصطفة في انتظام، وفي صمت مهيب، كجمهور في انتظار موكب او نجم، او حدث! .. وعلى صفحة الماء اشباح، من أضواء، تتراقص..
رن هاتفه.. لم يكن لدى "ماريا" سوى نفس السؤال، أين انت الآن؟ .. ولم يكن لديه سوى نفس الجواب: أنا في الميناء. "ماريا" المرسيلية، لا تتقن كثرة الكلام، كانت تكتفي بنوع الجواب ومدى مطابقته للسؤال... الا ان هاتفها العاشر، منذ الصباح، كان أكثر إصرارا، وهي تعيد نفس الكلمات مرات: عد، عد عد، عد...
لم يكن وحيدا في هذا الفضاء الرحب، المزدحم بالأحداث، كانت معه، خطوة بخطوة. اكتشف بان النسيان مجرد كذبة. كذبة تكبر في الذهن، وتظل تكبر وتكبر، الى أن تحجب بعض الاحداث. ثم تسقط، دائما، في أول اختبار لها، حينما تعود الذكرى في أول قاطرة، او في أول قارب الى هذا الميناء، او الى أي ميناء آخر...
الذكرى تنتصر دائما على النسيان، والنسيان يفشل دائما أمام الذكرى. واي محاولة للنسيان، هو تكرار للفشل، واستمرار له، لا غير...
في هذا المكان، سألته: أ إذا افترقنا، هل ستظل تذكرني؟ لم يكن يعي، وقتها، معنى الفراق. فالفراق لم يعد احتمالا. لم يجبها، وظلت تسأله، وظل صامتا امام إصرارها. الى التقفتهما "ماريا".. وظلت "ماريا" تضحك طول الليل، من خيبة ابنتها، لحبها لرجل متعجرف! لا يجيب عن الاسئلة الا إذا أراد...
ما لم يقله لها، هو ان سؤالها أوجعه. فكيف لمتحابين في منتهى التماهي ان يفترقا! ان طرح مثل هكذا سؤال يعبر عن شرخ في الوعي، وفي الحب ذاته.. الا ان الفراق قد يكون قدرا، واختطافا، وارغاما... وقد حدث. ما لم يقله، هو ان الفراق لن يكون عائقا عن استمرار وفاءه لها.
عاد.. استقبلته ماريا بدفء كبير... دخل غرفتها.. لازال الشال الأحمر في مكانه.. وتلك احدى وصاياها قبل الرحيل..
د. محجوب احمد قاهري
طبيب وكاتب تونسي
