كان ممكنا أن نبقى معا... لست أشك في ذلك.. ولكننا رحلنا
الاثنان، قد نكون مرغمين، وقد نكون اخترنا طوعا طريقا آخر... المهم، اننا لم نبقى
معا، ومضى كل واحد منّا الى مأواه...
البقاء سنّة حميدة، ولكنه طريق مؤلم، لا نعبّر عن آلامه
لأننا اخترناه. عندما ترحل أجمل أحاسيسنا ممتطية صهوة الكلمات، نفرح كثيرا لأنها
لم تبقى رهن ضلوعنا. أليس كذلك؟. وعندما نبقي أجمل أشيائنا معنا الى الحدّ الأقصى،
تصبح عبئا علينا، فلا نستطيع اهمالها ولا استعمالها، وقد نرتاح حينما نهديها، او
نرسلها الى حيث لا نعلم. بقاء الكثير من الأشياء يصبح فوق الحاجة حينما يمتدّ
الزمن.
ان ارواحنا تحتاج دوما أن نجددها، وأن يرحل عنها الكثير
من الزائرين. فلكل زمن زائر، وفكرة، واحساس، والم. ولكل زمن روح تحتاج ان تتجدد،
السنا نكره مع الوقت اشياءنا التي احببناها، تسريحة شعرنا ولنه، حتى وجوهنا قد نملّها،
وساعتنا، ونظارتنا، حتى الورق الذي نكتب عليه. السنا ننزعج من محتويات غرفنا،
فنحتاج تغييرا ما، كل ذلك هو مطلب الرحيل. وكثيرا ما نفعلها، فنرحل او ترحل
أشياءنا عنّا.
الا انّ كلّ الأشياء التي ترحل تترك ندبا في الذاكرة، لا
تمحوه الأيام. ومع الوقت تتقرّح أحاسيسنا، فتوجعنا ارواحنا كلما وضعنا أضابعنا على
موطأ منها.
كان ممكنا أن نبقى معا.. لست أشكّ في ذلك، ولم نبقى !! انا هنا
أكتب كلمات تعلمت الرحيل، تحمل جواز سفرها الى كل روح.. تحدث ضجيجا محدودا إذا توافقت
مع الابواب التي تدخل منها... ولا تحدث شيئا فتغادر وحيدة كما رحلت...
وأنت هناك، لا تقرئين شيئا .. ولا تزورك نوبات الذكرى
المجنونة، ربما أنت في رحيل دائم، كعادتك لا تحتاجين الى أسباب لكي ترحلي..
كان ممكنا أن نبقى معا.. فاسترحنا من عبء البقاء.
د محجوب احمد قاهري
