كأننا لا نشبه
الأمم الحرّة والعادلة، حتى يحكمنا رئيس اما منقلب او مزوّر او مريض. ولعلنا
قادمون، بعد الانتخابات الرئاسية القادمة، على ازمات رئاسية عدّة يمكن تفاديها،
منذ الآن، لو أحكمنا العقل، فمن بين السبع وعشرين مرشحا هناك المزوّر والمريض الذي
شارف، افتراضيا، على الموت.
لازلنا لا نعرف رئيسا حقيقيا، فتاريخنا حافل بالانقلاب.
بورقيبة انقلب على الباي، ثم ذبح رفاق الدرب، وقضى على اليوسفيين ليصنع دولة الرجل
الواحد والراي الواحد. وبن علي انقلب على بورقيبة، ثم انقض على رفاق دربه، واقام
"هولوكستا" للأسلاميين، وأسس، بعد ذلك، لدولة البوليس على مدار اكثر من
عشرين سنة.
وبعد الإطاحة بهذا
الأخير، جاءت الثورة حبلى بالأمنيات والأحلام في التحرّر واشاعة العدل والمساواة الاجتماعيين،
وانتخاب رئيسا من أبناء الشعب يكون صادقا، سلميا وديمقراطيا وجامعا، الا انّ
الأماني اجهضت جميعها بتخاذل الثوّار وغرورهم وأنانيتهم. فتقدم للرئاسة مرضى
شارفوا على الهلاك او مزوّرون، سرقوا الشعب حتى قبل جلوسهم على كرسي قرطاج، الذي كُتب
ان يجلس عليه، خارج الرئاسة المؤقتة، جبابرة و قتلة.
وعمليا نحن قادمون،
بعد انتخابات 23 نوفمبر، على الأقل على ازمتين. الأولى شغور الكرسي الرئاسي،
والثاني قانوي، وهو انتخاب رئيس مزوّر.
الأزمة الاولى
سيحدثها ابرز المرشحين للرئاسية وزعيم الثورة المضادة، فقد بلغ من العمر عتيّا،
وشارف على التسعين، ولأمراضه المتعدّدة، فقد دخل خانة العمر الافتراضي للموت
الطبيعي. وقد يحدث هذا الموت في اي وقت من بعد جلوسه على كرسي الرئاسة، وهو ما
سيفضي الى شغوره، وبالضرورة الدعوة الى انتخابات رئاسية مبكرة. وان لم يحدث الموت،
فسنكون امام ازمة خلافة داخل القصر، وتنازع للسيطرة امام وجود شيخ غير مكتمل
القدرات الصحية في مثل هكذا العمر، ومثل ما حصل في آخر ايام الرئيس بورقيبة.
الأزمة الثانية،
ستكون بمثابة الصدمة الى الشعب التونسي، فماذا لو ينتصر رئيس من بين المزورين
الذين انكشف طبعهم، فسرقوا اصوات الشعب لتزكيتهم؟ ستكون المهزلة حينئذ، وسيستهزئ
الشعب بنفسه، وبكل التضحيات التي قدّمها من أجل ثورته، والتي باتت بلا جدوى، لأن معادلة
اسقاط رئيسا سارقا وتعويضه بآخر سارق مثله، ستكون بلا معنى.
المرشح الوحيد
والجدّي، الذي نازل المخلوع سنة 1994، بكل شجاعة، وحافظ على خطه المتوازن والثابت
في الدفاع على الحقوق، يتعرّض الى ابشع انواع الهرسلة من ماكينات الإعلام الحاقد
المسيّس، الذي يعمل الى صالح جهات محدّدة، وتبدو حظوظ هذا المرشح ضعيفة، خاصة وان
المحسوبين على الثورة، يحاولون طلب عطف جلاّدي وسماسرة الأمس، لا مساندة الثوار.
يبدو بأن قدر
التونسيين في الرئاسة اما جاهلا دكتاتورا، او مريضا مقيما في منطقة الموت، او
مزورا مستعجلا على سرقة الشعب.
عندما خان الثوار
الثورة، فلا تنتظروا شيئا من جلاّد الأمس.
بقلم د. محجوب احمد قاهري