بصدد الانتهاء من شرب قهوتي الثالثة.. والوقت يمرّ كالنظر في عيني صبية جميلة.. والورق ممدّد أمامي مثقل ببياضه.. وخائف من وطأة ما سأكتب... فكثيرا ما أسررت له بما لا أطيق، فأحمّله واحدة من أبشع آلام الانسان، أن نخفي بعض من أحاسيسنا، وأحلامنا لأسباب عدّة، موضوعية، وأخرى غير مفهومة.
القهوة الثالثة كانت آخر الملل.. يبدو بانّي سوف لن أكتب
شيئا هذا المساء.. ربّما لأنّ الوقت لم يحن بعد ليشاركني الورق بعض ما أرى، وما
أحس، وما أفكّر.
وعلى الرغم من أننا لا نضمن من الورق أن يكتم السرّ، الا
نه وفي الحقيقة ننزع للكتابة تمهيدا لإذاعة ما كان يثقل صدورنا.
أليس فينا ومنّا من يكتم حبّا.. ويختار أن يموت به
سرّا..
اليس منّا من يكتم حقدا، ويختار أيضا بأن يموت به سرّا..
اليس منّا من يرى كلّ يوم ظلما وجبروتا، ولا يستطيع أن
يقول شيئا، فيكتم غيضه خوفا من بطش المجهول.. !
اليس منّا من يشتاق الى تحقيق أمنية، الا ان أوضاعا
معينة تمنعه من تحقيقها.. فيبقيها سرّا...
أليس منّا من يرى الفساد، كل يوم، كغول يأكل الدنيا أكلا،
ويخشى أن ينظر في عينيه حتى لا تلتهمه الغربان في بلد البهتة والنسيان..
الوقت يمضي سريعا، جميل هو في معناه، والقهوة الثالثة
فقدت طعمها... وقلق الورق يزداد... وسوف لن أسرّ له بشئ هذا المساء...
اليس مؤلما أن تبقى أسرارنا رهن الاعتقال؟ ! فحتى الورق قد لا يكون صديقا
وفيا !!
د محجوب احمد قاهري
