في هزيع ليل.. ومسار نجمة.. مرّ ببال الخيال ساعي البريد.. لم يجهد نفسه.. القى لي برسالة خلف ذاكرتي وارغمني على فتحها.. ومرّ كأنّه الحلم الذي ينهي واقعه...
فتحت الرسالة.. فكانت من حبيبتي.. وبدأت أقرأها، على غير العادة، حرفا حرفا.
كتبتْ..
لاأعرف كيف أبتدأ رسالتي اليك، فأنا لم أتعود كتابة الرسائل... لا اعرف سوى انّي اشتقت اليك.. ولست أدري هل ستتمكن كلماتي من التعبير عمّا اريد..
يا رفيق الروح، أسئلة كثيرة تتزاحم أمامي الآن، تريد كلّها اجابات مستعجلة ومنفردة، ولا اعرف بأي الأسئلة سأبدأ...
هل أنت بخير؟ هل اضطررت أخيرا الى وضع نظارتك لكي تقرأ وتكتب؟ هل مازلت دائم السهر؟
وهل مازلت تحبّ الشعر؟ وتحاول الكتابة؟ أم أنّك هرمت وهرِمت مشاعرك؟ هل مازلت تحتفظ بقصائدي، أعرف أنك كتبت كثيرا عنّي.. أو انك حاولت الكتابة... أعرف انني جزء وتفاصيل من كلماتك..و مهما مرّ العمر، سوف لن تنكر ذلك؟
وديوان الشعر؟ هل أصدرنه؟ لقد وعدتني يوما بان تكون شاعرا كبيرا، ولم تفعل. اعرف انك قلت بان رحيلي منك سيكون فاجعة الشعر ونهاية الكتابة... ولكني اعرف بان الشعراء لا يموتون.. في قلوبهم نهر ونبض لا ينضبان أبدا أبدا... مع احترازي الدائم بان الشعراء يعيشون حياة موازية.. بعيدة عن الأحياء.. واعذرني يا حبيب الروح.
وهل مازلت تقرأ؟ كم من كتاب قرأت؟ هل بلغت الألف مثلما خططت؟ أم أنك أدركت بان للحياة معتى آخر.. معنى لا يعرفه خيال الكتّاب..
وهل مازلت تؤمن بعروبتك؟ آه يا سيدي، كم آمنت بك وأنت تحدثني عن جيل العرب القادم، عن الوحدة والحدود الوهمية... فانظر ماترى؟ وهل تبقى من العروبة شيئا؟ وهل العرب عرب؟
وانّي أسألك، كما كنت دائما، ماذا تبقّى من أمنياتك؟ وهل أسقطتني منها؟ لست أدري ما يجول بخاطرك! وكيف فكّرت في بعد رحيلي.. لست أدري هل أنت حاقد علي، ام لم تعد تعرني اهتماما!
أمّا أنا يا سيدي، يارفيق الروح، فانّي أحترق لأجلك كل يوم. لن ابالغ حين أقول كل يوم.. لست ابرّر سببا لرحيلي، ولن أخوض في جراح قديمة.. ولن أدق مسامير في مشاعر موجوعة أصلا.. انّي فقط اشتقت اليك.. وارغمتني روحي أن اكتب اليك رسالة قد لا تصلك ابدا.. وقد لا تقراها مطلقا..
كلّ ما كان يحيّرني، لما كنت تبخل عنّي بكلامك العذب، وكنت لا تحدثني كثيرا.. كنت تحبّ أن تكتب الي.. صحيح انّك كنت تقول بان الكتابة تبقى شاهدا حتى ولو رحلنا.. ولكني لم أستسغ ذلك.. كنت اريد كل الكلام الي.. الي وحدي..
لن أطيل في رسالة قد لا يقرأها احد.. ولكني اعيد وأقول اليك لا تبغضني، و لا تحقد علي.. اعرف أنك لن تنساني، فالأحداث في حدّ ذاتها لا تسمح بالنسيان...
اكتب لي ولو مرّة واحدة.. اكتب انّك لازلت تحبني.. وتشتاق الي.. اكتب لي ذلك ولو مجاملة...
بعد عمر، أقول لك لا شئ بأيدينا.. لا شئ بأيدينا... فحتى قلوبنا تبقى تهفو للمستحيل... وكلنا للضياع، الأوطان والأنسان.
ودمت بخير
د. محجوب احمد قاهري
